عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
700
معارج التفكر ودقائق التدبر
أي : وأنبياء كثيرين أرسلناهم رسلا لنا في الأوّلين من الأمم والأقوام ، وكان من حال هؤلاء الأوّلين من أهل القرون السّابقة ، أنّهم كانوا ما يأتيهم من نبيّ رسولا يبلّغهم دين اللّه الحقّ ، ومطلوب اللّه ربّهم منهم في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا ، إلّا كانوا يستهزؤون به ، وبما جاءهم به عن ربّهم ، ولا سيّما الحياة الأخرى بعد الموت وفناء الأجساد والبعث . ويقول اللّه عزّ وجلّ متحدّثا عن المعالجين في السّورة ، الّذين خاطبهم في الآية الخامسة السّابقة ، وملتفتا عن مخاطبتهم : * فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) : أي : فأهلكنا أقواما كثيرين كانوا أشدّ بطشا من كفّار أهل مكّة إبّان التّنزيل ، مثل قوم نوح عليه السّلام ، وعاد ، وثمود ، وأهل سدوم ، وأهل مدين ، وأصحاب الأيكة ، وفرعون وملئه وجنودهم . البطش : التّناول الشّديد عند الصّولة ، السّطو في سرعة ، الأخذ القويّ الشديد . تقول لغة : « بطش ، يبطش ، ويبطش ، بطشا » . * . . . وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) : أي : ومضى فيما سبق أن أنزل من سور في نجوم التّنزيل ، قبل سورة ( الزخرف / 63 نزول ) ذكر وصف كفر المهلكين الأوّلين ، وتكذيبهم رسل ربّهم ، وعنادهم ، ومقاومتهم دعوات الحقّ ، وذكر إهلاكهم بعد تعذيبهم واستئصالهم . المثل : يأتي بمعنى الوصف ، ومعلوم أنّ قصص الأوّلين هي وصف بيانيّ لما جرى منهم ، ولما جرى عليهم أو لهم . وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الأوّل من دروس سورة ( الزّخرف ) . والحمد للّه على معونته ومدده ، وتوفيقه ، ومنّته ، وفتحه .